بقلم: أبو خالد
في زمن أصبحت فيه الضوضاء أحيانًا أكثر حضورًا من الإنجاز، وتتحول فيه مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للأحكام السريعة والانتقادات الشخصية، يبرز بعض المسؤولين الذين اختاروا طريقًا مختلفًا: العمل أولًا، والحديث بعد ذلك، وترك النتائج تتولى مهمة الإجابة.
ومن بين هؤلاء يأتي البروفيسور محمد بخاري حسن، رئيس جامعة الملك فيصل بتشاد، الذي يبدو أنه اختار منذ توليه مسؤولية قيادة الجامعة أن يجعل ما يتحقق على الأرض هو خطابه الأوضح، بعيدًا عن كثرة التصريحات أو الدخول في سجالات لا تنتهي.
وليس المقصود هنا تقديم الرجل باعتباره شخصية لا تخطئ، فذلك ليس من طبيعة البشر، ولا من الإنصاف أن يتحول أي مسؤول إلى صورة مثالية لا تقبل النقد أو المراجعة.
وإنما المقصود هو إنصاف ما يستحق الإنصاف، وتسجيل ما يمكن للمتابع أن يراه ويلمس أثره، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والمواقف العابرة.
بخاري… لا تدافع عنه المقالات بقدر ما تدافع عنه إنجازاته.
فالرجل، كما يبدو من مسيرته في إدارة الجامعة، لا يحتاج إلى أن تُرفع حوله أسوار من المديح كلما تعرض لانتقاد، ولا إلى مقالات ترد على كل منشور أو تعليق. فالمؤسسات الجامعية لا تُقاس بكثرة ما يُكتب عن مسؤوليها، وإنما بما تنتجه من علم، وما توفره لطلابها، وما تضيفه إلى المجتمع، وما تتركه من أثر في مسيرتها الأكاديمية والإدارية.
ولهذا، فإن الحديث عن محمد بخاري حسن هنا ليس من باب صناعة صورة دعائية لشخص، ولا من باب المجاملة، وإنما من باب تذكير الناس بما قد تغطيه ضوضاء التفاصيل اليومية من أعمال تستحق أن تُرى وتُناقش بموضوعية.
وإذا كان بعض المنتقدين يختارون مواقع التواصل الاجتماعي ساحة لإبداء آرائهم، أو يتداولون انتقادات ذات طابع شخصي، فإن من حقهم النقد، ما دام في إطار المسؤولية واحترام الأشخاص والمؤسسات. وفي المقابل، من حق المسؤول أيضًا أن يختار ألا يدخل في كل سجال، وأن يرد على بعض الكلام بالصمت والعمل.
وهنا ربما تكمن إحدى سمات الرجل: أنه لا يبدو منشغلًا كثيرًا بما يقال عنه بقدر انشغاله بما ينبغي أن ينجزه.
فالمسؤولية العامة ليست طريقًا مفروشًا بالتصفيق، ومن يتولى شأن مؤسسة عامة أو أكاديمية كبيرة سيجد، بالضرورة، من يؤيده ومن يختلف معه، ومن يثني عليه ومن ينتقده.
والمهم في نهاية المطاف هو أن يبقى معيار الحكم هو الأداء، وأن يكون النقد قائمًا على الوقائع، وأن يكون الرد بالعمل متى كان العمل هو الرد الأنسب.
ويمكن تشبيه هذا النهج بالجمل الذي يعرف كيف يواصل السير في الصحراء، متحملًا قسوة المناخ وطول الطريق، دون أن يتوقف عند كل عابر طريق. فالمسيرة الطويلة لا تُقاس بعدد الأصوات التي ترتفع على جانبي الطريق، وإنما بمدى الوصول إلى الوجهة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف لا يعني الصمت عن الملاحظات، كما أن الإشادة لا تعني تعطيل النقد. فمحمد بخاري حسن، مثل أي مسؤول آخر، يحتاج إلى النصح والمراجعة، وربما إلى النقد في بعض المواقف، لكن النصيحة شيء، والتشهير شيء آخر، والنقد شيء، والتجريح الشخصي شيء مختلف تمامًا.
ومن باب «فذكّر إن نفعت الذكرى»، فإن المسؤول الذي يحقق إنجازًا يحتاج أيضًا إلى من يلفت نظره إلى مواضع التقصير، لا إلى من يصفق له في كل الأحوال. كما أن النقد الصادق لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية، ولا ينبغي أن تكون الملاحظات وسيلة لإسقاط الأشخاص بدل تصحيح المسار.
وفي هذا السياق، يحضر قول الله تعالى: «ولا تبخسوا الناس أشياءهم»؛ وهي قاعدة أخلاقية تفرض علينا ألا نغمط أحدًا حقه لمجرد اختلافنا معه، وألا نختزل تجربة كاملة في خطأ، كما لا ينبغي أن نحول نجاحًا واحدًا إلى شهادة عصمة.
لذلك، فإن الكتابة عن البروفيسور محمد بخاري حسن ليست دفاعًا عنه، ولا محاولة لتقديمه في صورة الإنسان الذي لا يخطئ، بل هي محاولة لوضع الأشياء في مواضعها: إنجاز يُذكر، وملاحظة تُقال، ونصيحة تُقدم، ونقد يُمارس دون تشهير أو تصفية حسابات.
فالرجل إنسان، يصيب ويخطئ، ينجح وقد يتعثر، ويحتاج إلى من ينصحه كما يحتاج إلى من يقدّر ما أنجزه. وهذه، في تقديري، هي الطريقة الأكثر عدلًا في التعامل مع الشخصيات العامة: لا تقديسًا يصنع حولها هالة، ولا تجريحًا يسقط كل ما لها من إيجابيات.
أما الذين يختارون الضجيج، فسيظل لهم فضاء واسع للحديث؛ وأما الذين يختارون العمل، فستتكفل الأيام بإظهار ما صنعوه.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنجاز الحقيقي إلى كثير من الضجيج؛ فحين تكون النتائج مرئية، يصبح الكلام عنها مجرد تذكير بما هو قائم بالفعل.
محمد بخاري حسن قد يختلف الناس حوله، وقد ينتقده البعض، وقد يؤيده آخرون؛ لكن ذلك كله لا يلغي قاعدة بسيطة: أن الرجل ينبغي أن يُقرأ من خلال عمله، وأن يُنصح فيما أخطأ، وأن يُنصف فيما أصاب، وألا يُبخس حقه لمجرد أن بعض الأصوات اختارت أن تكون أعلى من صوت الإنجاز.
ح
0 تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه!
شارك برأيك