كتب: محمد مهدي شرومة

إن الدولة الحديثة تُقاس، ضمن ما تُقاس به، بقدرتها على حماية مواطنيها على قدم المساواة. فكرامة الإنسان ليست مقياساً أخلاقياً فحسب، بل هي أيضاً مقياس لجودة القانون، ونضج المؤسسات، وفعالية التنمية.


تفكيك العصبية وبناء دولة المواطنة
لا تستقيم الدولة الحديثة مع البنى التي تقسم الناس وفق النسب أو الأصل أو القبيلة أو العرق أو الطبقة أو الانتماء الفئوي. فعندما يصبح الانتماء الأول للفرد لجماعته الضيقة، وتُوزع الفرص والمكانة والحماية وفق الولاء الاجتماعي، لا وفق الحقوق والكفاءة، تتحول الدولة إلى ساحة تنافس بين جماعات، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً للمواطنين.


إن استمرار أنماط التراتب الاجتماعي التي تميز بين «السادة» و«الأتباع»، أو بين الفئات ذات الامتياز والفئات الأقل قيمة، يقوض مفهوم المواطنة المتساوية. وهو لا يضر فقط بمن يتعرضون للتمييز المباشر، بل يضعف ثقة الجميع في القانون، ويغذي المحسوبية، ويحول دون تكافؤ الفرص.


وفي هذه البيئة، لا تصبح الكفاءة معياراً للترقي، ولا يصبح القانون مرجعاً محايداً، بل تتحكم الشبكات المغلقة في توزيع السلطة والثروة والفرص.


إن بناء دولة المواطنة يتطلب الانتقال من منطق الامتياز إلى منطق الحق، ومن الحماية الاجتماعية الضيقة إلى الحماية القانونية العامة، ومن الولاءات الموروثة إلى العقد المدني المشترك. ويتجسد ذلك في مجموعة من المرتكزات:
• المساواة الكاملة أمام القانون، دون اعتبار للأصل أو النسب أو الجنس أو الطبقة.
• استقلال المؤسسات القضائية والرقابية عن شبكات النفوذ الاجتماعي والسياسي.
• ضمان تكافؤ الفرص في التعليم والتوظيف والخدمات العامة.
• تجريم التمييز وخطاب الكراهية والممارسات التي تقصي المواطنين على أساس هوياتهم.
• اعتماد الكفاءة والنزاهة معياراً لإدارة الشأن العام.
• تعزيز هوية وطنية جامعة لا تلغي التنوع، لكنها تمنع تحوله إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء.


خاتمة


إن التحول الحقيقي لا يبدأ بتبديل الشعارات، ولا يكتمل عبر التحديث الشكلي أو استيراد التقنيات والمؤسسات دون تغيير في الثقافة السياسية والاجتماعية. يبدأ التحول حين يمتلك المجتمع شجاعة مواجهة ذاته؛ حين يعترف بأن بعض أسباب تعثره نابعة من داخله، وأن تغييرها ممكن، لكنه يتطلب إرادة ومعرفة ومؤسسات عادلة.


لا يعني ذلك إنكار الضغوط الخارجية، أو الظلم التاريخي، أو اختلالات النظام الدولي، لكنه يعني رفض استخدام هذه الحقائق ذريعة دائمة لتعليق الإصلاح وتأجيل المسؤولية. فالمجتمع الذي يحمّل غيره مسؤولية كل شيء يمنح غيره أيضاً سلطة تحديد مستقبله، بينما المجتمع الذي يراجع ذاته ينتزع حقه في الفعل والتغيير.


إن الطريق إلى مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً يمر عبر منظومة قيم ومؤسسات تجعل العقل معياراً للنقاش، والعلم أساساً للسياسات، والكرامة الإنسانية حقاً غير قابل للتفاوض، والمواطنة إطاراً جامعاً لا امتيازاً لفئة دون أخرى.


وعندئذ فقط يمكن الانتقال من حالة التآمر على الذات إلى مشروع وطني واعٍ، يبني المستقبل على المعرفة والعدالة والحرية.