بقلم: حليمة محمد طاهر
في الحياة العامة، هناك رجال تعرفهم من خلال المناصب التي شغلوها، وهناك رجال تدفعك مسيرتهم إلى أن تتساءل عن الإنسان الذي يقف خلف تلك المناصب.
وعندما أتحدث اليوم عن صالح برمة علي، فإنني لا أريد أن أكتب مجرد سيرة لمسؤول، ولا أن أعدد المناصب التي تقلدها واحدًا بعد الآخر؛ فهذه المعلومات يمكن أن يجدها أي شخص في المصادر الرسمية.
ما أريد أن أكتب عنه هو الرجل الذي تقرأ مسيرته من خلال المسؤوليات التي حملها، ثم تتابع حضوره من خلال ما يظهر للناس من أعماله ومواقفه وتحركاته.
فقد مر صالح برمة علي بمحطات متعددة داخل الدولة؛ من العمل مستشارًا لدى رئيس الوزراء ومستشارًا خاصًا، إلى رئاسة مجلس إدارة وكالة «أديرم»، ثم مسؤوليات حكومية في التربية الوطنية والمالية والميزانية، وبعدها منصب الأمين العام المساعد للحكومة، وصولًا إلى مسؤوليته الحالية وزيرًا منتدبًا لدى وزير المالية، مكلفًا بالاقتصاد والتخطيط والتعاون الدولي.
وهذه ليست مجرد أسماء لمناصب مختلفة، وإنما تجربة طويلة داخل مؤسسات الدولة وملفاتها.
لكن بالنسبة لي، كمواطنة وباحثة قانونية، فإن السؤال لا يتوقف عند: أين عمل؟
بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أهم:
كيف يحمل الإنسان المسؤولية عندما توضع بين يديه؟
هذا هو المعيار الذي أراه أكثر أهمية.
فالمواطن لا يرى كل ما يحدث داخل مكاتب الدولة، لكنه يرى ما يصل إليه من أعمال وقرارات وتحركات، ويتابع ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال ذلك تتكون لديه صورة عن المسؤول وطريقة تعامله مع الملفات والناس.
وأنا، مثل كثير من المواطنين، أتابع ما يُنشر عن أعمال صالح برمة علي، وما يقوم به في إطار مسؤولياته، وما يظهر من اهتمامه بالقضايا التي تمس المواطنين.
ومن هنا جاءت هذه الشهادة.
أنا لا أكتب عنه لأنني أراه فوق النقد، ولا لأن المسؤول يجب أن يُمدح لمجرد أنه مسؤول.
أكتب لأنني أؤمن أن الإنصاف يقتضي أن نعترف بالجهد عندما نراه، تمامًا كما ننتقد التقصير عندما نراه.
المسؤولية ليست كرسيًا
من وجهة نظري كباحثة قانونية، فإن المنصب العام لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره امتيازًا شخصيًا.
إنه، قبل كل شيء، تكليف ومسؤولية وأمانة.
وكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، اتسعت معها دائرة مسؤوليته أمام المواطنين.
ولهذا، فإن انتقال صالح برمة علي من مسؤولية إلى أخرى يضع أمامه، في كل مرة، امتحانًا جديدًا:
هل يستطيع أن يحافظ على قربه من المواطن؟
هل يستطيع أن يحول الملفات الحكومية إلى نتائج يشعر بها الناس؟
هل يستطيع أن يجعل الاقتصاد والتخطيط والتعاون الدولي أدوات تخدم التنمية الحقيقية؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تبقى حاضرة أمام كل مسؤول.
ولأنني أتابع ما يُنشر عن أعماله، فإنني أرى أن من المهم أن يعرف المواطن التشادي الرجل الذي يقف خلف هذا المسار الطويل، لا أن يعرف فقط اسمه ومنصبه.
من كثرة المناصب إلى قيمة التجربة
أحيانًا ينظر الناس إلى تعدد المناصب باعتباره مجرد انتقال من كرسي إلى كرسي.
لكنني أرى أن القيمة الحقيقية تكمن في ما يتعلمه الإنسان من كل محطة.
فمن يمر بالتربية يتعرف على تحديات التعليم والمواطن.
ومن يعمل في المالية يقترب من واقع الموارد والميزانية.
ومن يعمل في رئاسة الحكومة يرى آليات اتخاذ القرار والتنسيق بين مؤسسات الدولة.
ومن يعمل في التخطيط والتعاون الدولي يجد نفسه أمام ملفات ترتبط بمستقبل البلاد وعلاقاتها التنموية.
وهكذا تصبح المسيرة المتنوعة مدرسة عملية، إذا استطاع المسؤول أن يستفيد من كل تجربة ويحمل دروسها معه إلى المسؤولية التالية.
وهنا أرى أن مسيرة صالح برمة علي تستحق أن تُقرأ من هذه الزاوية.
الإنسان قبل المسؤول:
هناك شيء آخر أراه مهمًا جدًا.
المواطن، عندما يتعامل مع مسؤول، لا يتعامل مع لقب فقط.
يتعامل مع إنسان.
والإنسانية في المسؤول لا تعني الضعف، كما أن الحزم لا يعني الابتعاد عن الناس.
بل يستطيع المسؤول أن يكون حازمًا في قراراته، وفي الوقت نفسه قريبًا من المواطن، يستمع إليه ويحترمه ويقدر ظروفه.
ومن خلال ما أتابعه وأراه منشورًا عن نشاط صالح برمة علي، أجد أن الجانب الإنساني في التعامل مع الناس جزء مهم من الصورة التي تكونت لدي عنه.
وقد يختلف معي شخص آخر في هذه الرؤية، وهذا حقه.
لكنني أكتب هنا شهادتي أنا، وما أراه من خلال متابعتي.
ماذا نريد من المسؤول؟
نريد مسؤولًا لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في المناسبات الرسمية.
نريد مسؤولًا يعرف أن خلف كل ملف حكومي مواطنًا.
وخلف كل مشروع أسرة.
وخلف كل رقم في الميزانية احتياجًا.
وخلف كل خطة تنموية منطقة تنتظر نصيبها من التنمية.
وخلف كل قرار حكومي أثرًا قد يغير حياة إنسان.
ولهذا، فإن المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما يدرك المسؤول أن المنصب ليس نهاية الطريق، وإنما بداية واجب أكبر.
رسالتي إلى صالح برمة علي
اليوم، وأنت تحمل مسؤولية مرتبطة بالاقتصاد والتخطيط والتعاون الدولي، فإن أمامك مساحة واسعة للعمل والعطاء.
اجعل خبراتك السابقة مجتمعة في خدمة هذه المرحلة.
خذ من التربية اهتمامك بالإنسان.
ومن المالية فهمك للموارد.
ومن رئاسة الحكومة خبرتك في الإدارة.
ومن التخطيط نظرتك إلى المستقبل.
ومن التعاون الدولي قدرتك على بناء الشراكات التي تعود بالنفع على تشاد.
واجعل المواطن حاضرًا في كل ذلك.
لا تجعل المنصب يبعدك عن الناس، بل اجعل المنصب وسيلة أقرب لخدمتهم.
وأقول لك أيضًا: استمر في العمل، وتقبل النقد كما تتقبل التشجيع؛ فالمسؤول الذي يسمع المديح وحده لا يرى الصورة كاملة، والمسؤول الذي يسمع النقد وحده قد ينسى أن هناك من يقدر جهده.
أما المسؤول الذي يستمع إلى الجميع، ويأخذ من كل كلمة ما يساعده على تحسين عمله، فهو الذي يستطيع أن يترك أثرًا حقيقيًا.
كلمة أخيرة:
أنا لا أعرف صالح برمة علي من خلال لقب واحد.
أعرفه من خلال مسيرة طويلة من المسؤوليات التي أتابعها كمواطنة، وأقرأها بعين باحثة قانونية تهتم بمعنى المسؤولية العامة.
ولهذا أقول:
لا تجعلوا المناصب هي كل ما نراه في الرجل.
انظروا إلى تجربته، إلى تعامله، إلى حضوره، إلى ما يقدمه، وإلى الأثر الذي يتركه في الناس.
فالمناصب، مهما تعددت، لها نهاية.
أما السيرة التي يصنعها الإنسان في خدمة وطنه، فتبقى.
وأسأل الله أن يوفق صالح برمة علي في مسؤوليته الحالية، وأن يعينه على حمل الأمانة، وأن يسدد خطاه، وأن يرزقه الحكمة وحسن القرار، وأن يفتح له أبواب الخير والتوفيق، وأن يجعل كل جهد يبذله من أجل تشاد وشعبها في ميزان حسناته.
اللهم وفقه لما فيه خير البلاد والعباد، وأعنه على أداء الأمانة، واجعل القادم من مسيرته أكثر نفعًا وعطاءً، واحفظه من كل تقصير، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.
وفي النهاية، أقولها كما أراها:
صالح برمة علي… قد تتغير المناصب، لكن قيمة الرجل تظهر في الطريقة التي يحمل بها كل مسؤولية، وفي الأثر الذي يتركه عندما يغادرها.
هذه شهادتي كمواطنة، وهذه رؤيتي كباحثة قانونية.
0 تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه!
شارك برأيك