كتب ✍️: عبد الله بخيت صالح
نطالع بين الفينة والأخرى تغريداتٍ ومقالاتٍ قصيرةً يُثار فيها الجدلُ حول احتفال مسلمي تشاد بعيد المولد النبوي الشريف، ونلمس من خلال ما يُكتَب انقسامَ الساحة العامة بين مؤيدٍ ومعارضٍ لهذا الاحتفال كل عام.
بصفتي باحثاً محايداً في تناول قضايا المجتمع لا أريد التوغّل في التفصيل التاريخي لظهور الاحتفال بالمولد النبوي في جمهورية تشاد، غير أنني أسرد لكم هنا محطةً واحدةً بخصوص احتفال التشاديين بهذه الذكرى. ففي مناسبة ذكرى حلول المولد النبوي الشريف لعام 1962م خاطب فضيلة الإمام الشيخ موسى إبراهيم ضيف- إمامُ مسلمي تشاد ورئيسُ اللجنة الإسلامية العليا لشؤون الفتوى الإسلامية بجمهورية تشاد -المنظماتِ والهيئاتِ الاعتبارية وممثلي البعثات الدبلوماسية للدول الإسلامية التي لها تمثيلٌ دبلوماسيٌّ بتشاد. وقد وجه خطاباتِ دعوةٍ موجّهةً إلى سبعٍ وثلاثين (37) منظمةً وهيئةً وسفارةً ممثّلةً بتشاد، لحضور احتفالية المولد النبوي الشريف، ما عدا سفارة إسرائيل فلم تُقدَّمْ لها الدعوة.
كما حرّر فضيلة الشيخ الإمام موسى إبراهيم ضيف دعوات رسميةً إلى الشخصيات الاعتبارية وبعض وزراء الحكومة التشادية يدعوهم فيها إلى المشاركة في الاحتفال بهذه الذكرى، ومن تلك الرسائل رسالةٌ وجّهها إلى وزير داخلية تشاد مارك دنيا بيرالنقار طالباً منه الدعم المادي، وكان معالي الوزير حكيماً ووجيهاً دمث الأخلاق ورجل دولة خبر الدنيا وعرف طبائع الناس فتبرّع بمبلغ 10.000 فرنك سيفا (ألفَي ريال تشادي) دعماً شخصياً منه لإقامة احتفالية المولد النبوي الشريف يوم 13 ربيع الأول 1382ه كما قدّمت جهاتٌ أخرى تبرعاتٍ طوعية.
وحضر صاحبُ الفخامة رئيسِ الجمهورية فرانسوا تمبلباي مناسبة عيد المولد النبوي الشريف الثاني بعد الاستقلال دون حراسِ الأمن وكان لأول مرةٍ منذ تولّيه السلطة أن يشاركَ في مناسبةٍ عامةٍ بلا حراس. وألقى فضيلة الشيخ الإمام موسى إبراهيم ضيف كلمة بهذه المناسبة العظيمة أمام رئيس الجمهورية وممثّلي البعثات الدبلوماسية والمنظمات العاملة بتشاد وتولّى الصحفي باكاري بولونج مهمةَ الترجمة الفورية لخطاب الإمام من العربية إلى الفرنسية أمام الحشد. وفي هذه المناسبة قال الرئيسُ الأول للجمهورية فرانسوا تمبلباي مازحاً في نهاية الحفل وموجّهاً كلامه إلى الإمام موسى إبراهيم بالعربية العامية التشادية: “اليومَ أنا رئيسُ التشاديين كلِّهم، وأنت إمامُ المسلمين جميعِهم”!.
الخلاصة: إنّ فعالياتِ الاحتفالِ بذكرى المولد النبوي الشريف التي حدّثتكم عنها عن مصدرٍ موثوق كان حاضراً ومن ضمن المنظمين للاحتفال (أ.ص.إ.ع)، وكانت المناسبة قبل أربعٍ وستين (64) عاماً من يومنا هذا. ومنذ ذلك الوقت لم يتوقّف التشاديون عن الاحتفال بهذه الذكرى، إذ تتبنّى المدرسةُ الأشعريةُ جوازَ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واستحبابَه، وتعدّه من البِدع الحسنة التي تُثاب عليها الأمّةُ إذا خلتْ من المنكرات. ولم يخرج علينا فضيلة الشيخ الإمام عبدالدائم عبدالله عثمان رئيسُ المجلس الوطني للشؤون الإسلامية يوماً وأعلن فيه إيقافَ الاحتفال بهذه الذكرى في جمهورية تشاد الديمقراطية، ولم يصدر أيضاً مفتي الديار التشادية فتوى قطّ مفادُها أنّ هذا الاحتفال بِدعةٌ ضلالة.
فما بالُ أولئك الذين يُنكِرون الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف؟ هل كان الإمامُ السيوطي (1445–1505م)، وابنُ حجر العسقلاني (1372–1449م)، والنووي (1233–1277م) وغيرُهم من العلماءِ على خطأٍ؟!.
إذاً ما الذي استجدّ في بلادنا حتى يقع جدالٌ بيزنطيٌّ في هذا الأمر؟ وما الذي استجدّ اليومَ في الساحة الدعوية العامة؟ هل غيّر التشاديون مذهبَهم الذي كانوا عليه بمذهبٍ آخر؟ أم هناك من يحاول أن يجعل من الحبّة قُبّةً، ويفتعل زوبعةً في فنجانٍ لتعكيرِ صفو المجتمع في كلّ مناسبةٍ وبلا مناسبة؟ إنّ الدينَ لله، وهو الذي يحاسب وحدَه؛ وأنّ يعتقد أن عقيدةَ الحقّ محصورةٌ فيه هو فقط ولا يحقّ لأتباع المذاهب الأخرى إلا الانقيادُ لما يقرّره أهلُها فهو مثلُ ذلك الذي ينفخُ في قِربةٍ مقدودةٍ، وجدها في إحدى أزقّةِ ‘أربط صلبك’ أو’شاور رأسك’ منذ ستّين عاماً ولا يستطيع أن يملأها بالهواء بسبب الخرمِ الذي فيها!.
فالعقيدةُ الحقُّ ليست محصورةً في مذهبٍ واحد، كما يعتقد البعضُ ويسعون به إلى التشددِ وتحريمِ كلّ ما لا يوافق مذهبَهم أو طريقتَهم أو مدرستَهم؛ فإنّ هذاحسب رأينا يُعَدّ تهجّماً على بقية المسلمين في تشاد وفي العديد من دول العالم الإسلامي، وهم لا يضعون في اعتبارهم عددَ المسلمين الذين يحتفلون بعيد المولد النبوي في العالم كلّ عام.
الأمرُ بسيطٌ جدّاً ولا يحتاج إلى كلّ هذه المعاركِ الكلامية؛ أيها التشاديون فمَن شاء فليحتفلْ، ومن لا يريد فليصمتْ ويتركِ الآخرين ليحتفلوا كما يريدون وبالطريقةِ التي يريدونها، وانتهى الأمر. ولا داعي لإشعال الخلاف بين أتباع المذاهب. فمن يرىد أن يصعّبَ الأمرَ بأنّ الاحتفالَ بهذه الذكرى بِدعةٌ ليس لها أصلٌ في الكتابِ أو السنّةِ أو فعلِ الخلفاءِ الراشدين، وبالتالي فهي مردودةٌ فهو لا يستطيع إلزام المسلمين في خمسين دولة إسلامية بعدم الاحتفال بهذه الذكرى.
كما علينا أن نتساءلَ بحيادٍ وموضوعية بعيداً عن التعصّبِ الفكري: الذي يقول بأن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف (بدعة ضلالة) هل له توكيلٌ حصريٌّ للفتوى على جميع المسلمين وأهلِ العلم في تشاد وبقية البلدان الإسلامية؟!. عليهم التعقل واتباع الحكمة في الدعوة قليلاً، ففي القضايا الخلافية لكلِّ أحدٍ من العلماء حجّتُه، ولكلٍّ فيها دليلُه فيما يعتقد؛ والخلافُ فيها ليس وليدَ أمسٍ أو اليوم، وإنما هو وليدُ قرونٍ طويلةٍ ومن الصعب توجيهُ جميع المسلمين إلى عقيدةٍ واحدةٍ أو مذهبٍ واحدٍ من المذاهب الإسلامية.
فإذا كان عدد المسلمين اليوم في العالم حوالي 1.9 مليار مسلم فإننا نخرج بالحقائق التالية:
يمثل المحتفلون النسبة الغالبية العظمى من إجمالي عدد المسلمين في العالم.
– يُعد المولد النبوي عطلة رسمية واحتفالاً شعبياً في أكثر من 50 دولة إسلامية وعربية، من بينها جمهورية تشاد، وإندونيسيا وباكستان والمغرب، وتونس والجزائر، ومصر، وفلسطين والأردن، والامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، والعراق وسوريا والسودان وبنغلاديش والهند.
– هناك دول إسلامية لا تُقِيم احتفالات أو إجازات رسمية لهذه المناسبة بناءً على الفتاوى الدينية السائدة التي تعتبره أمراً محدثاً من بينها: المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي.
– تختلف مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي من دولة لأخرى حيث تُحيي المناسبة بالدورس الدينية وقراءة القرآن والابتهالات والمديح في الزوايا والمساجد وتوزيع الحلوى، وإقامة مجالس السيرة.
– تمتنع بعض المجتمعات والدول عن إحياء هذه الذكرى بناءً على فتاوى دينية تعتبره أمراً غير مشروع.
– تعتبر جمهورية تشاد ذكرى المولد النبوي الشريف من المناسبات الوطنية والاحتفال به أمر مشروع منذ ميلاد الجمهورية.
– وقد أصدر السيد/ عبدالله أمبدو أمبامي وزير الوظيفة العامة والحوار الاجتماعي في حكومة جمهورية تشاد بياناً رسمياً تحت الرقم (007) يوم الاثنين 24 أغسطس 2026م بمناسبة حلول ذكرى المولد النبوى الشريف اعتبره عيداً للمسلمين، وأعلن لكافة العاملين والعاملات في القطاع العام والخاص بأن اليوم الثلاثاء الموافق له 25 أغسطس 2026م عطلة رسمية بكل الأراضي الوطني.
(انتهى الأمر الذي تجادلون فيه!).
(كل عام وأنتم بخير)
0 تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك برأيه!
شارك برأيك