بقلم: الباحثة القانونية- حليمة محمد طاهر

تُعد حرية الرأي والتعبير من الركائز الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم والاستقرار، وهي حق مكفول لكل مواطن يتيح له التعبير عن أفكاره وانتقاد السياسات العامة وطرح البدائل والرؤى المختلفة. غير أن ممارسة هذا الحق تظل مرتبطة بمسؤولية لا تقل أهمية عنه، تتمثل في احترام القانون والحفاظ على مؤسسات الدولة وصون المصلحة الوطنية.


فليس كل من رفع شعار التغيير قادرًا على صناعة التغيير، وليس كل من وجّه انتقادًا للدولة يمتلك بالضرورة مشروعًا متكاملًا لبنائها. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بحدة الخطاب أو كثرة الشعارات، وإنما بقدرة صاحبه على تقديم حلول واقعية ورؤى قابلة للتنفيذ تسهم في خدمة المجتمع وتعزيز استقراره.


وتحتاج تشاد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب وطني جامع يعزز التماسك الاجتماعي ويقرب بين وجهات النظر المختلفة، بعيدًا عن لغة الاستقطاب والانقسام. كما تحتاج إلى رجال ونساء يدركون أن الدولة ليست ملكًا لحزب أو شخص أو جماعة، بل هي منظومة من المؤسسات والقوانين والحقوق والواجبات التي ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها بما يخدم الجميع.


ومن حق أي مواطن أن يختلف مع السلطة أو ينتقد أداءها أو يطرح مشروعه السياسي، فذلك جزء من الممارسة الديمقراطية السليمة. لكن هذا الحق لا يلغي واجب احترام القانون، ولا يبرر المساس بأسس الجمهورية أو التقليل من شأن المؤسسات التي تشكل الضامن لاستمرار الدولة واستقرارها.


كما أن التجارب السياسية الصعبة، بما فيها فترات السجن أو الأزمات السياسية، ينبغي أن تكون فرصة لاستخلاص الدروس والعبر. فحين تُمنح فرصة جديدة للمشاركة في الحياة العامة، يصبح من الأجدى توظيف تلك التجربة في خدمة الوطن والمساهمة في معالجة التحديات القائمة، بدل الانخراط في مسارات قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.


ولا يعني الدفاع عن القانون الدعوة إلى تكميم الأفواه أو إقصاء المخالفين في الرأي، بل على العكس، إن المجتمعات القوية هي تلك التي تتسع للاختلاف وتحتكم إلى المؤسسات والقواعد القانونية في إدارة خلافاتها. فالاختلاف مشروع، والتنافس السياسي مشروع، ما داما يجريان في إطار احترام القانون والمصلحة الوطنية العليا.


إن تشاد لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر حاجتها إلى عقول واعية، وضمائر مسؤولة، ونخب سياسية وفكرية تدرك أن بناء الوطن يبدأ من احترام القواعد التي نطالب الآخرين بالالتزام بها. فسيادة القانون ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل قيمة يجب أن تحكم سلوك الجميع دون استثناء.


وفي نهاية المطاف، تبقى تشاد أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأحزاب، وأسمى من الحسابات السياسية الضيقة. أما مستقبلها، فهو مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع أبنائها، حكومةً ومعارضةً ومجتمعًا مدنيًا، من أجل بناء دولة قوية وعادلة تستجيب لتطلعات مواطنيها وتحفظ للأجيال القادمة حقها في الأمن والاستقرار والتنمية.


حليمة محمد طاهر – باحثة قانونية