أنجمينا:(شاري إنفو)

أعلنت تشاد رسمياً إيداع صك انسحابها من نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية لدى الأمين العام للأمم المتحدة، في خطوة سياسية وقانونية بارزة تعكس توجهاً متنامياً داخل عدد من الدول الإفريقية لإعادة تقييم علاقتها بالمؤسسات القضائية الدولية.

وقالت وزارة الشؤون الخارجية والتكامل الإفريقي والتشاديين بالخارج، في بيان رسمي صدر الاثنين، إن قرار الانسحاب تم وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في المادة (127) من نظام روما الأساسي، مشيرة إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد مراجعة معمقة لأداء المحكمة الجنائية الدولية منذ دخولها حيز النفاذ عام 2002.

وأوضح البيان أن الحكومة التشادية ترى أن حصيلة المحكمة خلال أكثر من عقدين من الزمن ظلت دون التطلعات التي صاحبت تأسيسها، معتبرة أن طبيعة القضايا التي باشرتها المحكمة أفرزت انطباعاً واسعاً لدى العديد من الدول الإفريقية بوجود تركيز ملحوظ على القارة الإفريقية مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

وأضافت الوزارة أن غالبية التحقيقات الأولى التي فتحتها المحكمة تعلقت بدول إفريقية، من بينها أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وكينيا وليبيا وساحل العاج ومالي وبوروندي، مشيرة إلى أن هذا الواقع غذّى نقاشاً متواصلاً بشأن التوازن الجغرافي في عمل المحكمة ومدى حياديتها في معالجة النزاعات الدولية.

وأكدت الحكومة التشادية في المقابل تمسكها بمبدأ مكافحة الإفلات من العقاب ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، مشددة على أن قرار الانسحاب لا يعني التخلي عن الالتزامات الدولية أو التراجع عن واجب إنصاف الضحايا، بل يعكس قناعة بأن الأنظمة القضائية الوطنية والآليات الإفريقية أصبحت أكثر قدرة على الاضطلاع بمهام العدالة الجنائية على المستوى القاري.

ودعت تشاد، وفق البيان، دول الاتحاد الإفريقي إلى تعميق النقاش حول مستقبل العدالة الدولية وتعزيز المؤسسات القضائية الإفريقية بما يضمن قيام منظومة قضائية قارية أكثر استقلالاً وفاعلية، تستجيب لخصوصيات القارة وتطلعات شعوبها.

ويأتي هذا القرار في سياق جدل مستمر داخل إفريقيا بشأن دور المحكمة الجنائية الدولية وعلاقتها بالدول الإفريقية، حيث سبق لعدد من الحكومات الإفريقية أن انتقدت ما وصفته بغياب التوازن في ملاحقات المحكمة، في حين تؤكد المحكمة أن اختصاصها يستند إلى قواعد قانونية وإحالات رسمية من الدول أو مجلس الأمن الدولي.

يمثل انسحاب تشاد من نظام روما الأساسي أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ فهو يعكس نقاشاً أعمق حول مستقبل العدالة الدولية وتوازناتها السياسية. وبين من يرى في القرار تعزيزاً للسيادة القضائية الوطنية والإفريقية، ومن يعتبره اختباراً لالتزام الدول بمكافحة الإفلات من العقاب، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة المؤسسات الوطنية والإقليمية على توفير عدالة فعالة ومستقلة تحظى بثقة الضحايا والمجتمع الدولي على حد سواء.